محمد بن جرير الطبري

44

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ قال : جاهدين ليهبطوها أو يبطلوها ، قال : وهم المشركون ، وقرأ : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ القول في تأويل قوله تعالى : وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ يقول تعالى ذكره : أثبت ذلك في كتاب مبين ، ليجزي الذين آمنوا ، والذين سعوا في آياتنا ما قد بين لهم ، وليرى الذين أوتوا العلم ؛ فيرى في موضع نصب عطفا به على قوله : يجزي ، في قوله : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعنى بالذين أوتوا العلم : مسلمة أهل الكتاب كعبد الله بن سلام ، ونظرائه الذين قد قرؤوا كتب الله التي أنزلت قبل الفرقان ، فقال تعالى ذكره : وليرى هؤلاء الذين أوتوا العلم بكتاب الله الذي هو التوراة ، الكتاب الذي أنزل إليك يا محمد من ربك هو الحق . وقيل : عني بالذين أوتوا العلم : أصحاب رسول الله ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ قال : أصحاب محمد . وقوله : وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ يقول : ويرشد من اتبعه ، وعمل بما فيه إلى سبيل الله العزيز في انتقامه من أعدائه ، الحميد عند خلقه ، فأياديه عندهم ، ونعمه لديهم . وإنما يعني أن الكتاب الذي أنزل على محمد يهدي إلى الإسلام . القول في تأويل قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ يقول تعالى ذكره : وقال الذين كفروا بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، متعجبين من وعده إياهم البعث بعد الممات بعضهم لبعض : هَلْ نَدُلُّكُمْ أيها الناس عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ يقول : يخبركم أنكم بعد تقطعكم في الأرض بلاء وبعد مصيركم في التراب رفاتا ، عائدون كهيئتكم قبل الممات خلقا جديدا ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ قال : ذلك مشركو قريش والمشركون من الناس ، يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إذا أكلتكم الأرض ، وصرتم رفاتا وعظاما ، وقطعتكم السباع والطير إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ستحيون وتبعثون . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ إلى خَلْقٍ جَدِيدٍ قال : يقول : إِذا مُزِّقْتُمْ وإذا بليتم وكنتم عظاما وترابا ورفاتا ، ذلك كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ قال : ينبئكم إنكم ، فكسر إن ولم يعمل ينبئكم فيها ، ولكن ابتدأ بها ابتداء ، لأن النبأ خبر وقول ، فالكسر في إن لمعنى الحكاية في قوله : يُنَبِّئُكُمْ دون لفظه ، كأنه قيل : يقول لكم : إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ القول في تأويل قوله تعالى : أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل هؤلاء الذين كفروا به ، وأنكروا البعث بعد الممات بعضهم لبعض ، معجبين من رسول الله في وعده إياهم ذلك : أفترى هذا الذي يعدنا أنا بعد أن نمزق كل ممزق في خلق جديد على الله كذبا ، فتخلق عليه بذلك باطلا من القول ، وتخرص عليه قول الزور أَمْ بِهِ جِنَّةٌ يقول : أم هو مجنون فيتكلم بما لا معنى له . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قال : قالوا تكذيبا : أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً قال : قالوا : إما أن يكون يكذب على الله ، أم به جنة ، وإما أن يكون مجنونا بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ الآية . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ؛ ثم قال بعضهم لبعض : أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ الرجل مجنون فيتكلم